الفتال النيسابوري
414
روضة الواعظين وبصيرة المتعظين
كتاب بن زياد في الأثر إلى عمر بن سعد : أن حل بين الحسين وأصحابه والماء ؛ فلا يذوقوا منه قطرة ، كما صنع بالتقيّ الزكي عثمان بن عفّان ! فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجّاج في خمسمائة فارس ، فنزلوا الشريعة وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيّام ، ونادى عبد الرحمن بن حصين الأزدي ، وكان عداده في بجيلة فقال بأعلى صوته : ألا تنظرون إلى الماء كأنّه كبد السماء ؟ واللّه لا تذوقون منه قطرة حتّى تموتوا عطشا ! فقال الحسين عليه السّلام : اللهمّ اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا . قال حميد بن مسلم : واللّه لعدته بعد ذلك في مرضه ، فو اللّه الذي لا إله إلّا هو ، لقد رأيته يشرب الماء حتّى يبغره « 1 » ويبغي ويصيح : العطش العطش ! ثمّ يعود فيشرب الماء حتّى يبغره ثمّ يقيه « 2 » ويتلظّى عطشا ، فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ نفسه . ولمّا رأى الحسين عليه السّلام تزول العساكر مع عمر بن سعد بنينوى ومددهم لقتاله ، أنفذ إلى عمر بن سعد : أنّي أريد أن ألقاك . فاجتمعا ليلا فتناجيا طويلا ، ثمّ رجع « 3 » إلى مكانه ، وكتب إلى عبيد اللّه ابن زياد . أمّا بعد : فقد أطفأ اللّه النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الأمّة ، وهذا حسين قد أعطاني أنّه يرجع إلى المكان الذي منه أتى ، أو « 4 » أن يسير إلى ثغر من ثغور المسلمين ، فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، أو أن يأتي أمير
--> ( 1 ) بغر : كثر شربه للماء ( العين ) . ( 2 ) في المطبوع : « يبغيه » بدل « يقيه » . ( 3 ) زاد في المخطوط : « عمر » . ( 4 ) في المخطوط : « و » بدل « أو » .